أبي طالب المكي
15
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
محبة الله عزّ وجلّ مقدمة لديه على محبته هو واختياره ، إذ لله عاقبة الأمور وقد شرّف المتقين ونزّههم عن أمور العاجلة الدنية بقوله عزّ وجلّ : * ( والْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) * [ القصص : 83 ] ، وكما روي في أخبار موسى عليه السلام إذا لم يكن ما تريد فرد ما يكون ، فإن أبيت إلا ما تريد أتعبتك فيما تريد ولا يكون إلا ما أريد . وروي عن الحسن : وددت أن أهل البصرة في عيالي وأن حبة بدينار ، وهذا من نهاية التوكَّل . وليس ذلك إلا في تسليم الأحكام والرضا بها كيف جرت بهم ، لأن هذا كلام قد جاوز المعقول . وقد كان وهيب بن الورد المكي يقول : لو كانت السماء نحاسا ، والأرض رصاصا ، ثم اهتممت برزقي لظننت أني مشرك . ويقال : من اهتمّ برزق غد وعنده اليوم قوت غد فهي خطيئة تكتب عليه . وقال سفيان : الصائم إذا اهتم في أوّل النهار بعشائه كتب عليه خطيئة . وكان سهل يقول : إن ذلك ينقص من صومه . وقال أعرف في البصرة مقبرة عظيمة يغدو على موتاهم برزقهم من الجنة بكرة وعشية يرون منازلهم من الجنان وعليهم من الغموم والكروب ما لو قسم على أهل البصرة لماتوا أجمعين . قيل : ولم ؟ قال : كانوا إذا تغدوا قالوا بأي شيء نتعشى ؟ وإذا تعشوا قالوا بأي شيء نتغدى ؟ وقال مرة أخرى : لم يكن لهم من التوكَّل نصيب . وهذه المقامات من فضائل التوكَّل وفوقها ما لا يصلح رسمه في كتاب من مكاشفات الصدّيقين ومشاهدات العارفين ، منها أنه أعطاهم كن باطلاعه إياهم على الاسم فزهدوا في كون كن لأجل كان ، توكلا عليه وحياء منه أن يعارضوه في قدرته ، ويرغبوا عن تقديره ، أو يضاهوه في تكوينه ، لأن تدبيره عندهم أحكم وأيقن ، وهم بالعواقب أعلم ، وأخبروهم له أشد إجلالا وإعظاما مما نقدر نحن ونعلم . فأما التوكَّل عليه في القوت فإنه عندهم فرض التوكَّل يستحيون من ذكره مع الوكيل . وكذلك التوكَّل عليه في تسليم الأقدار حلوها ومرّها خيرها وشرها من الله حكمة وعدلا . كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس . وكما قال : تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك . وكذلك قال الله عزّ وجلّ : * ( وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ) * [ القمر : 53 ] ، فالعلم بهذه الأشياء ، وطمأنينة القلب بها ، وسكينة العقل عند ورودها ، وأن لا يضطرب بالرأي والمعقول ، ولا ينازع بالتشبيه والتمثيل ، فإن هذا عندهم من فرائض الإيمان ، لا يصحّ إيمان عبد حتى يسلم ذلك كله ، وليس هذا من التوكَّل في شيء . ومنه قول ابن عباس : القدر نظام التوحيد فمن وحد الله وكذّب بالقدر كان تكذيبه بالقدر نقصا لتوحيده . فجعل الإيمان بالأقدار كلَّها أنها من الله مشيئة وحكما بمنزلة الخيط الذي ينتظم عليه الحبّ ، وأن التوحيد منتظم فيه . يقول : إذا انقطع